ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
36
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
إلا إليك ، وذلك بخلاف قولك : إن مصير هذا الأمر إليّ ؛ إذ يحتمل إيقاع الكلام بعد الظرف على غيرك ؛ فيقال : إلى زيد ، أو عمرو ، أو غيرهما . وكذلك يجري الأمر في الحال والاستثناء . وقال علماء البيان - ومنهم الزمخشري رحمه اللّه - : إن تقديم هذه الصورة المذكورة إنما هو للاختصاص ، وليس كذلك ، والذي عندي فيه أن يستعمل على وجهين : أحدهما الاختصاص ، والآخر مراعاة نظم الكلام ، وذاك أن يكون نظمه لا يحسن إلا بالتقديم ، وإذا أخر المقدّم ذهب ذلك الحسن ، وهذا الوجه أبلغ وأوكد من الاختصاص . فأما الأول الذي هو الاختصاص فنحو قوله تعالى : أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون . ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين . بل الله فاعبد وكن من الشاكرين فإنه إنما قيل بل الله فاعبد ولم يقل « بل اعبد اللّه » لأنه إذا تقدم وجب اختصاص العبادة به دون غيره ، ولو قال « بل اعبد » لجاز إيقاع الفعل على أي مفعول شاء . وأما الوجه الثاني الذي يختص بنظم الكلام فنحو قوله تعالى : إياك نعبد وإياك نستعين وقد ذكر الزمخشري في تفسيره أن التقديم في هذا الموضع قصد به الاختصاص ، وليس كذلك ؛ فإنه لم يقدم المفعول فيه على الفعل للاختصاص وإنما قدم لمكان نظم الكلام ؛ لأنه لو قال نعبدك ونستعينك لم يكن له من الحسن ما لقوله : إياك نعبد وإياك نستعين ألا ترى أنه تقدم قوله تعالى : الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين فجاء بعد ذلك قوله : إياك نعبد وإياك نستعين وذاك لمراعاة حسن النظم السّجعيّ الذي هو على حرف النون ، ولو قال نعبدك ونستعينك لذهبت تلك الطلاوة ، وزال ذلك الحسن ، وهذا غير خاف على أحد من الناس ، فضلا عن أرباب علم البيان . وعلى نحو منه ورد قوله تعالى : فأوجس في نفسه خيفة موسى ، قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وتقدير الكلام فأوجس موسى في نفسه خيفة ، وإنما قدم